أبي منصور الماتريدي
405
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
به غذاؤهم وقوامهم . وقوله - عزّ وجل - : رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ . لا يحتمل أن يكون مثل هذا الدعاء [ منه ] « 1 » مبتدأ ، بل كأنه - والله أعلم - عن نازلة دعاه ؛ إذ يعلم صلوات الله عليه أنه كان يعلم ما يخفون وما يعلنون ، لكن لم يبين : ما تلك النازلة ؟ وأهل التأويل يقولون : قال هذا ؛ أي : تَعْلَمُ ما نُخْفِي من الحزن والوجد على إسماعيل وأمه حين تركهما بواد لا ماء فيه ولا زرع ، ويقولون : وَما نُعْلِنُ وهو قوله : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ، لكن لا نعلم ذلك . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ . كان هذا جوابا عن الله وإخبارا منه إياه ؛ أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ؛ أي : لا يخفى عليه ما لا أمر فيه ولا نهي ولا جزاء ؛ فكيف يخفى عليه الأعمال التي عليها الجزاء والأمر ؟ وقوله - عزّ وجل - : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ . قال أهل التأويل « 2 » : إنه وهب له الولد ؛ وهو ابن كذا وامرأته ابنة كذا ؛ لكن لا نعلم ذلك سوى ما ذكر أنه وهب له الولد على الكبر في وقت الإياس عن الولد ؛ حيث بشر بالولد ؛ فقال : أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ [ الحجر : 54 ] وحيث قالت امرأته لما بشرت بالولد أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً [ هود : 72 ] يعلم أنه وهب له الولد ؛ وهما كانا كبيرين في وقت الإياس عن الولد . وقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ يكون حمده على الأمرين جميعا : على الهبة ؛ وعلى الولادة في حال الكبر ؛ وهو حال الإياس ؛ إذ كل واحد مما يوجب الحمد عليه والثناء . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ قيل : لمجيب الدعاء . وقوله - عزّ وجل - : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي . قد سبق من الله الأمر بإقامة الصلاة ؛ وهو المقيم لها ؛ فدل الدعاء منه والسؤال ؛ على أن يجعله مقيم الصلاة - أن عند الله لطفا سوى الأمر لم يعطه ؛ فسأله ذلك ؛ هو التوفيق . وعلى قول المعتزلة ؛ لقولهم : إنه قد أعطى كل شيء حتى لم يبق عنده ما يعطيه . وقوله - عزّ وجل - : رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) قاله سعيد بن جبير ، أخرجه ابن جرير عنه ( 20865 ) .